محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
43
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - و ( الباء ) شفوية ، و ( الحاء ) وسطي ، و ( الهاء ) حلقي ، وكل منها في مركزه إلا الباء فإنه شفوي وقع الوسط إشارة إلى أن الحب منه وبه وإليه . فمن عرف هذه الأسرار يعرف أن لهذا اللفظ شأن عظيم كيف لا ؟ ! وهو مشترك بين الحق والخلق ، وإن كان في الحقيقة ليس إلا الحق ؛ لأنه قد ثبت بالنص لكن في طرف الحق ذاتي وأصلي ، ومن طرف الخلق عارضي وفرعي ، والفرع راجع إلى أصله ، فيصير محبّة العبد محبة الحق وذلك إن محبة الحق محبة الأصل لفرعه ، فكل من أحب شيئا بهذه المحبة فهي محبّة الحق ، ولذا أحب النبي صلى اللّه عليه وسلّم النساء حيث ورد في الحديث : « حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ( 1 ) » . فالحق تعالى أحبّ آدم حب الأصل للفرع ، والكل للجزء ، وذي الصورة لصورته ، وآدم عليه السلام أحب حواء كذلك ، فهو أحبها بحب اللّه تعالى إيّاه ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلّم أحب النساء بحب اللّه تعالى إيّاه من حيث أن كلا من المحبين حب ذي الصورة لصورته ، والأصل لفرعه ، والكل لجزئه ، وأيضا أحب النبي صلى اللّه عليه وسلّم النساء لكمال شهود الحق فيهن ؛ لأن الحق تعالى لا يشاهد من غير مواد أصلا ، فإنه تعالى بذاته غني عن العالمين ، لا علاقة بينه وبين شيء أصلا بالشهود ولا بغيره ، فلا يمكن شهوده إلا في مادة وهو في النساء أعظم وأكمل ؛ لأنه تعالى يشاهد فيها من حيث هو فاعل منفعل معا من غير انفصال بينهما ؛ لأن المرأة تؤثر في تبهيج الشهوة فيه وتتأثر عنه حين المواقعة ، فالمشاهدة باعتبار الأول من حيث هو فاعل ، وباعتبار الثاني من حيث هو منفعل ، وأمّا مشاهدة الحق في المرأة من حيث صدورها عن الرجل فهو شهود في منفعل ؛ لأنها منفعلة عن الرجل ، ومشاهدته في الرجل من حيث أن المرأة ظهرت عنه فشهود في فاعل ، ومشاهدته فيه من غير استحضار ظهرت المرأة منه فهو شهود في منفعل ؛ لأن الرجل منفعل عن الحقّ بلا واسطة ، فالشهودات الثلاثة منفصل بعضها من غير لزوم الاتصال ، والمعيّة بينها . وأمّا شهود الرجل الحق في نفسه من حيث إنه مؤثر في المرأة ، ومن حيث إنها متأثرة عنه ، فشهود من حيث هو فاعل ومنفعل كالشهود في المرأة إلا أنه أتم فيها ، كيف ؟ إن لم يكن أتم ، كما أن في شهوده في المرأة فناء المشاهد دون شهوده في نفس الرجل على ما هو الظاهر ، فكل من أحبّ المرأة على هذه المعرفة فحبّه حبّ إلهي ، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية فيكون هذا الحبّ صورة بلا روح وإن كانت الصورة في نفس الأمر ذات روح ، فهو يحب الالتذاذ ، ومحلّ الالتذاذ ، وغاب عنه روح المسألة والعارف يعلم بمن التذ ومن التذ ومن اللذة . ثم بعد ما عرفت هذا ، وأوعيت في قلبك ، فاعلم بأن محبة الشيء لا تكون إلا بعد معرفته ؛ لأن محبة المجهول محال ، فالمحب للّه لا تكون إلا بعد معرفته إيّاه بأنه هو الظاهر ، وأنه هو الباطن .